كروز والبوليساريو و«حوثيو غرب إفريقيا»: منعطف جديد في واشنطن

أضيف بتاريخ 02/05/2026
01:32 |

الهجوم كان مباشراً ويكشف تغيراً واضحاً في نبرة الخطاب داخل واشنطن. فخلال جلسة استماع حديثة في مجلس الشيوخ الأمريكي خُصصت لمناقشة مكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وضع السيناتور الجمهوري تيد كروز جبهة البوليساريو في قلب النقاش الأمني الإقليمي، متهماً إياها بالتعاون مع شبكات جهادية وبالتحول إلى أداة في يد قوى معادية. وخلال مواجهة حادة مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية، ندد بما وصفه «رفض» الإدارة الأمريكية تسمية البوليساريو صراحة عند الحديث عن «النشاط الإرهابي في الساحل»، في إشارة إلى أن هذا الصمت ليس نقصاً في المعلومات بقدر ما هو خيار سياسي محسوب.  

من وجهة نظر كروز، لم يعد من الممكن تناول ملف الساحل من دون التطرق إلى ما يصفه بدور البوليساريو المحوري في حركة الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة في المنطقة. ويؤكد أن هذا التنظيم «يتعاون مع مجموعات إرهابية مرتبطة بإيران»، ويتلقى قدرات عسكرية من بينها طائرات بدون طيار، ويساهم في تزويد الجماعات الجهادية الناشطة في الساحل بما يلزمها من عتاد. هذه العناصر، بحسب طرحه، تقرّب البوليساريو من نموذج سبق أن عرفته المنطقة في الشرق الأوسط: نموذج الحوثيين في اليمن الذين يُستخدمون كورقة ضغط إقليمية ضد حلفاء واشنطن. ومن هنا تتبلور فكرته الصادمة: تحويل البوليساريو إلى «حوثيي غرب إفريقيا» يعني إدخال بؤرة جديدة لعدم الاستقرار عند بوابة الأطلسي والمغرب العربي.  

هذه الاتهامات لم تأتِ من فراغ. ففي الكونغرس، يدفع عدد من النواب منذ أشهر باتجاه تشديد الموقف الأمريكي من البوليساريو، عبر إبراز ما يصفونه بارتباطه بإيران وحزب الله، وباحتمال تشكل ممر للتهديدات يمتد من المشرق إلى الساحل. وقد طُرح بالفعل مشروع قانون تحت عنوان «قانون تصنيف جبهة البوليساريو تنظيماً إرهابياً»، يطالب الإدارة بدراسة ما إذا كانت الجبهة تستوفي معايير التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية وفق التشريعات الأمريكية، من خلال توثيق علاقاتها العملياتية والمالية واللوجستية مع الشبكات الإيرانية. هذا المشروع ما يزال في طور النقاش البرلماني ولم يتحول بعد إلى قانون نافذ، لكنه يرسخ فكرة أن خيار التصنيف بات مطروحاً بجدية على الطاولة.  

في هذا السياق، تبدو مداخلة تيد كروز بمثابة عامل تسريع سياسي، إذ إنه من خلال تبنيه العلني لاتهامات بتقديم دعم لوجستي للجهاديين في الساحل والتعاون مع الأجهزة الأمنية الإيرانية، يسعى إلى إحراج السلطة التنفيذية ودفعها إلى التعجيل في الحسم بخصوص تصنيف البوليساريو تنظيماً إرهابياً. أنصار هذا التوجه يرون أن الاستمرار في الحديث عن الإرهاب في الساحل من دون تسمية البوليساريو يشبه غض الطرف عن حلقة أساسية في سلسلة التهديدات، في وقت تقول فيه الولايات المتحدة إنها تعتمد مقاربة شاملة في مواجهة الخطر الإيراني وأذرعه. أما المعترضون فيحذرون من أن خطوة كهذه قد تزيد ملف الصحراء تعقيداً وتغلق الباب أمام أي حل تفاوضي.  

دبلوماسياً، تمنح تصريحات كروز ذخيرة جديدة لكل من يؤكد، وفي مقدمتهم المغرب وحلفاؤه، أن البوليساريو انزلقت منذ سنوات إلى منطق عسكرة منفلتة وتداخُل مع شبكات التهريب والجماعات المسلحة العابرة للحدود. كما تعزز القراءة التي تعتبر أن الساحل لم يعد مجرد ساحة أزمة إفريقية، بل تحول إلى فضاء تتقاطع فيه استراتيجيات القوى الكبرى والدول الإقليمية والفاعلين غير الحكوميين، من شبكات المخدرات إلى الأذرع الإيرانية. وبصرف النظر عما إذا كانت هذه التصريحات ستُترجم فعلياً إلى قرار رسمي في واشنطن، فإنها ترسم مرحلة جديدة: لم يعد يُنظر إلى البوليساريو فقط كحركة انفصالية محل نزاع، بل كفاعل محتمل ضمن بنية الإرهاب وحروب الوكالة التي تعيد رسم خريطة المخاطر جنوب المتوسط.