يتضح من أعمال وحوارات الدكتورة بهيجة سِيمّو أن ملف الصحراء يحتل موقعاً محورياً في مشروعها العلمي، من زاوية التاريخ والوثيقة أكثر من زاوية السجال السياسي المباشر. يتكرر في تدخلاتها التركيز على أن الأرشيف الملكي – بما يتضمنه من ظهائر، وبيعات، ورسائل سلطانية، ووثائق تعيين وجباية – يشكل ركيزة أساسية لفهم تطور ممارسة السيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية عبر الزمن.
تُبرز سِيمّو، سواء في الكتب أو المحاضرات، أن المديرية التي تشرف عليها نشرت عملاً مرجعياً بعنوان «الصحراء المغربية من خلال الوثائق الملكية»، في ثلاثة مجلدات، يتناول تاريخ هذه الأقاليم عبر تتبّع مظاهر السيادة في مستويات عدة، منها: تعيين القضاة والولاة والقواد، تنظيم الجبايات، فضّ النزاعات بين القبائل، وإدماج العناصر الصحراوية في الجهاز العسكري والركب السلطاني. يُفهم من هذه المقاربة أن حضور الصحراء في الأرشيف ليس عابراً أو ظرفياً، بل جزء من منظومة حكم ممتدة زمنياً.
الطرح الذي تدافع عنه سِيمّو يقوم على فكرة ترابط بين الامتداد الجغرافي والمؤسساتي من جهة، والامتداد الثقافي والفكري والمذهبي من جهة أخرى، بحيث يُقدَّم المذهب المالكي، والروابط الروحية والزوايا، وتداخل الأنساب، كعناصر مفسِّرة لوحدة المجال التاريخي المغربي بما في ذلك أقاليمه الصحراوية. هذا التداخل بين البعد السياسي-المؤسساتي والبعد الاجتماعي-الثقافي يُستخدم لإسناد أطروحة وحدة التراب الوطني عبر قراءة تاريخية طويلة المدى.
في الندوات التي خُصصت للحديث عن «السيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية من خلال الوثائق الملكية»، تُعرض هذه الوثائق باعتبارها مواد عمل موجَّهة ليس فقط للباحثين، بل أيضاً للدبلوماسيين والفاعلين السياسيين والإعلاميين، في إطار ما يُوصَف أحياناً بـ«الدبلوماسية الموازية» المبنية على معرفة تاريخية موثقة. هذه الوظيفة المزدوجة للأرشيف – علمية وترافعية – تُطرح بصيغة تعتبر أن تدقيق المعطيات التاريخية جزء من أدوات إدارة النزاعات المعاصرة حول الصحراء.
من خلال هذا المسار، يتبلور تصور يعتبر أن معركة السردية حول الصحراء تمرّ عبر إعادة قراءة الوثائق وإتاحتها وتبسيطها، أكثر مما تمر عبر الخطاب الإنشائي أو الشعارات العامة. في هذا الإطار، يُفهم أن اشتغال سِيمّو على الصحراء لا يُختزل في تأكيد موقف رسمي، بقدر ما يسعى إلى إسناده بمادة أرشيفية قابلة للتدقيق، مع ربطها بسياق تاريخي أوسع يحضر فيه الجنوب والصحراء كفاعل مركزي في تاريخ الدولة المغربية، لا كمجرد هامش جغرافي.


