في أقصى جنوب المملكة، تعيش جهة الداخلة–وادي الذهب هذه الأيام على إيقاع استعداد مبكر لاستقبال شهر رمضان، ببرنامج ديني وقرآني يسعى إلى تحويل لحظات الصيام والقيام إلى فرصة لتجديد الصلة بالله وترسيخ القيم الروحية في حياة الساكنة والزوار. تنسيقٌ محكم يجمع المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الجهوي والسلطات المحلية وعددا من الهيئات الشريكة، بهدف تهيئة المساجد والفضاءات الدينية والبرامج التوعوية حتى يدخل الشهر الفضيل في أجواء يطبعها السكون الإيماني والتنظيم المحكم.
على مستوى المساجد، تم إطلاق حملات نظافة واسعة همّت بيوت الله المهيأة لاستقبال جموع المصلين في صلاتي التراويح والتهجد، مع تزويدها بالمصاحف، بما في ذلك نسخ مخصصة لضعاف البصر، وتجهيز قاعات الصلاة بأفرشة جديدة تضمن راحة المصلين في الليالي الطويلة. وعقدت لقاءات تنسيقية مع الأئمة والمؤذنين والقراء لتحديد المهام وضبط المواقيت بدقة، سواء في الأذان أو الإمساك أو الإفطار، إلى جانب تنظيم جلسات توعوية حول فقه الصيام وأحكامه، والفتاوى المتعلقة بالمرضى وأصحاب الأعذار، حتى يمارس الناس عبادتهم على بيّنة شرعية.
البرنامج الرمضاني في الجهة يمنح حيزا وافرًا للقرآن الكريم باعتباره روح هذا الشهر، من خلال مسابقات في الحفظ والتجويد لفائدة الرجال والنساء والشباب، تتوزع على كبريات المساجد وتشرف عليها لجان من العلماء والقراء. وتتم هذه الأنشطة ضمن مقاربة تشاركية تضم المجلس العلمي الجهوي والمجالس العلمية المحلية ومؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، إضافة إلى الشركاء الاجتماعيين من محسنين ومراكز صحية، بما في ذلك حملات تحسيس بالتبرع بالدم، قصد ربط العمل التعبدي بروح التكافل العملي بين أبناء الجهة.
في البعد العلمي والإرشادي، أعدّ المجلس العلمي برنامجا متنوعا يشمل دروس الوعظ والإرشاد في مختلف مساجد الداخلة ونواحيها، يقدّمها ثلة من العلماء والوعاظ والمرشدات اللواتي ينتظرن حلول الشهر لاستثمار الإقبال الكبير على المساجد في تقريب الناس من معاني دينهم. وستجوب قوافل فقهية مساجد القرى والمناطق النائية للإجابة عن أسئلة المواطنين في موضوعات الصيام والقيام والزكاة والصدقات وأعمال البر تجاه اليتامى والمحتاجين والأرامل، مع تخصيص أرقام هاتفية مباشرة لعلماء الجهة طيلة أيام وليالي رمضان، حتى لا يبقى السائل في حيرة أو انقطاع عن الفتوى الموثوقة.
كما يتضمن البرنامج تنظيم محاضرات وندوات ودورات تكوينية وحملات تحسيسية، إضافة إلى مسابقات في حفظ الأحاديث النبوية ومجالس للاستماع إلى القرآن الكريم، تُتوَّج بليلة قرآنية خاصة تشجع الناشئة والشباب على الارتباط بكتاب الله تلاوةً وتدبّرًا. ومن المحطات البارزة التي يحرص المجلس العلمي على دوامها سرد صحيح الإمام البخاري وختمه في ليلة القدر، اقتداءً بما استقرّ في التقليد المغربي، إلى جانب إحياء ذكرى وفاة جلالة المغفور له محمد الخامس، رمز الكفاح من أجل الحرية والاستقلال، التي تصادف العاشر من رمضان، في وصل بين الذاكرة الوطنية والوجدان الإيماني.
هذه السنة تكتسي الاستعدادات بعدًا إضافيا، إذ يتزامن رمضان مع إحياء الذكرى الخامسة عشرة بعد المئة لميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وفق التوجهات الملكية الداعية إلى العناية بالسيرة النبوية وإبراز أخلاقه العطرة وقيم الرحمة والاعتدال. لذلك خُصِّصت فقرات من الدروس والمحاضرات لاستحضار السيرة وأحداثها الكبرى، وتعريف الناشئة بشخصية النبي عليه الصلاة والسلام باعتبارها قدوة عملية في السلوك الفردي والجماعي، واستثمار هذه المناسبة لتجديد العهد بقيم الوسطية التي تميز النموذج الديني المغربي.
كل هذه الجهود، من تأهيل المساجد إلى تأطير الأئمة والوعاظ وبرمجة الأنشطة القرآنية والحديثية، تعبّر عن تعبئة شاملة في جهة الداخلة–وادي الذهب لاستقبال شهر رمضان كموعد سنوي لتجديد الإيمان وتعميق الانتماء لثوابت المملكة الدينية والوطنية. رمضان هنا لا يُنظر إليه مجرّد موسم تعبّد فردي، بل فضاء جامع تُستثمر فيه اللحظة الروحية لتعزيز اللحمة الاجتماعية، وتقوية الصلة بين الإنسان وربه وبين المواطن ومؤسساته، في مدينة تسعى أن يكون عبير الصيام والقيام عنوانًا لهويتها في أقصى جنوب البلاد.


