يشير المقال، الذي نُشر أصلاً في مجلة «جون أفريك» عام 2012 ويُعاد تقديمه هنا، إلى أن المؤرخ الجزائري محمد حربي، وهو إطار سابق في جبهة التحرير الوطني خلال حرب التحرير ومستشار للرئيس أحمد بن بلّة قبل أن يُسجن ست سنوات بعد انقلاب هواري بومدين، يُعد أحد أبرز مؤرخي الجزائر المعاصرة، رغم أنه ليس شاهداً محايداً. ويُستشهد على مكانته بكتاب «فلن: سراب وواقع» الصادر عام 1980 عن «جون أفريك»، الذي أحدث صدمة حينما كشف «الحرب داخل الحرب» والعنف البنيوي في بناء جبهة التحرير، مع الإشارة إلى رحيله مطلع عام 2026 .
يُروى أن حربي اعتبر استمرار الجدل حول حرب الاستقلال في الجزائر وفرنسا إعادة تدوير لمسائل أُشبعت نقاشاً، وأن هذا الجدل لا يكتب تاريخ الجزائر بقدر ما يعكس صراعات حاضرة بين مستفيدين مختلفين من الاستقلال، منهم من دخل الساحة مع الانفتاح «الديمقراطي» ومن يشارك في السلطة ويطالبها بالحساب. وبحسب طرحه، لو كانت «شرعية الثورة» قائمة حقاً لما كان هذا الجدل قائماً؛ إذ إن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب مؤسسات غير مُنازَع عليها، أي غياب عقد وطني، فيما تتفنن الفئات المتصارعة داخل السلطة في تفاديه، وقدّم مثالاً بانتخابات حديثة آنذاك ليخلص إلى أن الشرعية في الجزائر تُفهم غالباً بمعيار القوة لا بمعيار الحق.
وعند المقارنة بين الآمال خلال الحرب ومباشرة بعدها وبين ما تلا ذلك، يُحكى أنه دعا إلى تبنّي منظور أوسع يعود إلى الثقافة السياسية؛ إذ رأى أن الجزائريين ينظرون إلى الماضي والمستقبل من خلال مرشح لاهوتي-سياسي، وأن فهم النقاشات الراهنة يستفيد من مفهومي «المسيحانية» و«الأخرويات»، بما يوحي بأن المجال السياسي لم يكتمل بعد. وأورد أن جيل الحماس خرج إلى خيبة بسبب آمال تأسست على أفكار مسبقة لا على معرفة دقيقة بواقع البلد، وأن هذه المعرفة جاءت لاحقاً، فغدت الجزائر بعد الحرب مختبراً لم يُعترف به على حقيقته.
ويُنقل عنه أنه حذّر من التعويل على خطابات قادة جبهة التحرير خلال الحرب، وهم الذين كانوا يدركون قسوة المرحلة وعمق الانقسامات حول الخيارات المجتمعية وطريقة إدارة القتال، لكنهم أنكروها حتى اصطدموا لاحقاً بنتائجها. ومع الحديث عن مؤتمر الصومام عام 1956، قيل إنه رأى أن الرؤية التي خرجت عنه جاءت من نخبة مدينية ولم تعبّر عن الريف الذي صار حاسماً بعد الحرب؛ وأن هدف المؤتمر كان إدخال تناقضات السياسة الجزائرية في إطار مؤسسي يصلح للنقاش، مقابل واقع انطلاق الثورة في ظروف منحت وزناً كبيراً لقوى طاردة تمانع قيام مركز موحّد. ويُذكر أنه بعد مغادرة «لجنة التنسيق والتنفيذ» الجزائر عام 1957 تكررت محاولات إنشاء قيادة عسكرية موحّدة، كان آخرها على يد العقيد عميروش عام 1958، ثم عجزت الولايات عام 1962 عن إنشاء قيادة مشتركة خلال أزمتها.
وبشأن الجدل الراهن حول الحرب، يُروى أنه اعتبره استعمالاً للتاريخ لمعالجة مشكلات الحاضر، وأن هذا نهج مميّز للجزائر ونخبتها الحاكمة العاجزة عن بلوغ حدّ أدنى من التجانس. وضُرب مثالٌ بالنزاع الذي أُحيي حول الصراع بين عبان وبن بلّة إبان الثورة لاستهداف الرئيس بوتفليقة في الحاضر، مع القول إن التاريخ، منذ العهد الاستعماري، ظل عنصراً مركزياً في السياسة الجزائرية، بخلاف بلدان يكون فيها الدور للآيديولوجيا أو للتراث. ويُحكى أنه ربط دوام هذا الوضع باستمرار غياب العقد الوطني، ما يغذّي استقطابات دينية ومناطقية حادّة ويحوّل الهوية الوطنية إلى مادة نزاع عبر التاريخ، كادّعاء بعض مناطق القبائل أنها تحملت العبء الأكبر من القتال بينما أفادت مناطق أخرى أكثر، أو العكس، وأن هذا سيستمر ما لم يُحسَم السؤالان المتعلقان بكيفية العيش المشترك وبناء الدولة.
وعن مستقبل هذه الانقسامات بعد رحيل جيل الحرب، يُنقل أنه لم يتوقع زوالها، إذ إن الهيئات اللازمة لحسم الخلافات غير موجودة، ما يُعطّل إمكان صنع خيارات حقيقية. ومع أن البلاد خاضت خيارات مثل «التسيير الذاتي» زمن بن بلّة و«الصناعات المُصنِّعة» زمن بومدين، فقد رُوي أنه اعتبرها خيارات غير مُتحمّلة بالكامل؛ فالتسيير الذاتي بدا أداة شرعنة بلا قاعدة اجتماعية واضحة، ولم يُقبل في كل مكان، حيث استولى ممثلو الجيش على أراضٍ وأداروها بأسلوب دولتي وتدخلت قيادة الدرك ضد العمّال المُسَيّرين ذاتياً، فيما كان من الصعب الجمع بين شعار التسيير الذاتي وجهاز سلطوي. وبحسب طرحه، انتهى بومدين إلى التخلي عنه لصالح رأسمالية الدولة.
وعن سؤال إن كانت تلك الخيارات ثمرة تفكير خلال الحرب، يُحكى أنه نفى ذلك نفياً قاطعاً، إذ لم تُحضّر رؤية للمستقبل لا اقتصادياً ولا ثقافياً ولا بالنسبة لمكانة المُعَرِّبين، خوفاً من تفكيك جبهة الثورة، فاستمر النهج القائم على تأجيل الأسئلة الكبرى إلى ما بعد الانتصار، وهو نهج قال إنه لا يزال قائماً. أما الديمقراطية فلم تكن موضع نقاش، إذ انحصر الجدال في ثنائيات الاشتراكية والرأسمالية داخلياً، والاصطفاف الموالي أو المناوئ للغرب خارجياً، حتى أن المعارضة لم تُدن نظام الحزب الواحد لأنها كانت تطمح لأن تكون هي ذلك الحزب.
وفي توصيف طبيعة السلطة بعد 1962، يُسجَّل أنه رأى استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية، وأن بن بلّة كان مرحلة انتقالية، وأن العسكريين فكّروا أولاً في بوضياف طلباً لشرعية تاريخية، مع التأكيد أن العسكرة طالت السلطة ثم الدولة. ومع ذلك، نُقل عنه أن العسكريين لم يسعوا إلى الظهور في الواجهة ولا إلى تشكيل «مجلس عسكري» ولا إلى إعادة تركيب البنية السياسية والاجتماعية، بل فضّلوا التحكم عبر انتقاء النخب والتحكم في توزيع الميزانيات، بدءاً بميزانيتهم.
ويُحكى أنه قدّر أن انتصار الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية صيف 1962، بدلاً من قيادة الأركان، كان سيضع البلد على مسار مختلف؛ إذ لم يكن ما حدث قدراً محتوماً، وإن كانت الأزمات والخلافات ستوجد أيضاً، غير أن الحكم كان سيؤول إلى أشخاص أكثر واقعية وانفتاحاً على عوالم أخرى مما كان لدى العسكريين، بما كان سيحدّ من الانغلاق ويُخفّف حضور الدين ويُغيّر رؤية دور الدولة.
أما أثر الاستعمار الباقي، فيُروى أنه اعتبر الجزائر قد استعادت سيادتها وخرجت من الاستعمار، لكن استمرار استخدام تسميات ما قبل 1962، حتى على أسماء الشوارع، يُظهر أن الاستعمار لم يُوضَع ذهنيّاً بين قوسين؛ وأن قسماً واسعاً من الطبقة الوسطى لا يزال يجد صعوبة في التفكير مستقلاً عن فرنسا، كما يدل على ذلك انتشار القنوات التلفزيونية الفرنسية. ويُنقل عنه قوله إن دخول الجزائر الحداثة وقع في سياق الاستعمار، وأن خطاب «التوبة» والنبرة المناوئة لفرنسا لدى بعض المسؤولين إنما يحقق إجماعاً ظرفياً ويُغطي على الانقسامات الداخلية.


