بعد مرور خمسة أعوام على الانقلاب في مالي، ثم الانقلابات التي تلته في كل من بوركينا فاسو والنيجر، تتضح صورة مغايرة تماماً للوعود التي رُفعت عند وصول العسكر إلى الحكم. فقد قدّم قادة الجيوش أنفسهم باعتبارهم «الحل الأخير» بعد فشل السلطات المدنية في مواجهة التهديدات الأمنية، ووعدوا بإعادة الاستقرار، واسترجاع السيادة، وفتح أفق جديد أمام الدول الثلاث. غير أنّ الحصيلة على الأرض تكشف عن فجوة واسعة بين الخطاب والواقع.
منذ البداية، ارتكز خطاب الأنظمة العسكرية على فكرة أن الطبقة السياسية المدنية عجزت عن كسب المعركة ضد الجماعات المسلحة، وأن الجيوش هي الجهة الوحيدة القادرة على خوض «حرب حقيقية» بعيداً عن الحسابات الحزبية والقيود الدبلوماسية. ترافق ذلك مع قطيعة واضحة مع جزء من الشركاء التقليديين، خصوصاً في أوروبا، وتقليص التعاون العسكري مع بعضهم، إضافة إلى إبعاد ملف حقوق الإنسان عن مركز النقاش، ورفض متزايد لأي حديث عن تسويات أو حوار مع فاعلين مسلحين غير دولتيين. وقد قُدِّم هذا التوجه بوصفه شرطاً لا غنى عنه لتحقيق نصر حاسم.
لكن المقاربة التي طُبِّقت في الميدان اتخذت طابعاً عسكرياً صرفاً، مع توسّع العمليات وتكثيف الانتشار، والاعتماد بصورة أكبر على الحل الأمني وحده. تحوّلت مناطق واسعة إلى فضاءات شبه مغلقة، يخضع فيها السكان للاشتباه المستمر، ويُنظر إلى بعض المجتمعات المحلية على أنها بيئة حاضنة للجماعات الجهادية. ومع الوقت، أضيف إلى القوات النظامية فاعلون آخرون: عناصر أجنبية وشبكات مقاتلين غير نظاميين، إلى جانب ميليشيات محلية. وبدلاً من أن تؤدي هذه التركيبة إلى تقليص رقعة العنف، ساهمت في تفاقمه، وعمّقت شعور المدنيين بأنهم عالقون بين أطراف عدة تمتلك السلاح وتتنازع السيطرة.
في هذا المناخ، بات المواطن في عدد من المناطق ضحية مزدوجة: من جهة، استمرار هجمات الجماعات المسلحة أو توسعها، ومن جهة أخرى، تشدد في الأساليب المستخدمة في العمليات العسكرية، بما في ذلك ممارسات عقابية جماعية أو شبه جماعية، وانتهاكات تُبرَّر أحياناً تحت عنوان «ضرورات المعركة». وهكذا، تراجعت المسافة بين خطاب «استعادة الأمن» والواقع الملموس، حيث بقيت مشاهد النزوح والعنف والفراغ المؤسسي حاضرة بقوة.
على المستوى الاقتصادي، حملت الانقلابات خطاباً صريحاً حول «استعادة السيادة» والتحرر من أشكال التبعية القديمة، سواء في المجال النقدي أو في إدارة الثروات الطبيعية أو في نمط الشراكات الدولية. طُرحت مسألة العملات والاتفاقات المالية، وتردّد كثيراً الحديث عن ضرورة إنهاء مسارات تعتبرها هذه الأنظمة امتداداً لعلاقات غير متكافئة مع القوى الغربية. رُوِّج لفكرة أن إعادة رسم خريطة التحالفات ستتيح بناء اقتصاد يضع «مصلحة الشعوب» في المقام الأول، ويعيد للدولة دورها في حماية الموارد وإعادة توزيعها.
إلا أنّ الفراغ الذي نشأ عن إعادة ترتيب العلاقات مع بعض الشركاء التقليديين لم يدم طويلاً. سرعان ما ظهرت قوى دولية أخرى، من الشرق والجنوب، لملء المساحة المفتوحة في قطاعات حيوية مثل الأمن، والطاقة، والبنى التحتية، والتعدين. وعلى الرغم من الاختلاف في الخطاب السياسي والرموز واللغة المستخدمة، فإن نمط التفاوض وشكل العقود وطبيعة موازين القوة لم يشهد تحوّلاً جذرياً ينعكس مباشرة لصالح الفئات الأضعف داخل هذه المجتمعات. وبذلك، بدا أن ما تغيّر هو أسماء الشركاء وأعلامهم، بينما بقيت البنية العميقة للعلاقات الاقتصادية شديدة التفاوت، ما يغذي انطباعاً بأن السيادة الموعودة لم تتحقق بعد بالمعنى الفعلي.
سياسياً، تبدو المفارقة أكثر حدة. عند وقوع الانقلابات، حرص القادة العسكريون على التأكيد أن وجودهم في الحكم مؤقت، وأن هدفهم الأساسي هو «تصحيح المسار» وإعادة السلطة إلى المدنيين بعد مرحلة انتقالية محددة. لكن مع مرور الوقت، جرى تعديل الجداول الزمنية، وتوسيع صلاحيات السلطات القائمة، واشترطت عودة الحكم المدني بشروط فضفاضة أو متغيّرة، الأمر الذي جعل المرحلة الانتقالية أقرب إلى وضع مستقر جديد. تزامن ذلك مع تضييق على الأحزاب السياسية، وتقليص هامش حرية التعبير، وفرض قيود على الإعلام والفاعلين المدنيين.
في ظل غياب انتخابات تنافسية حقيقية، تضعف إمكانية محاسبة من هم في السلطة أو تغييرهم عبر صناديق الاقتراع. تصبح الشرعية مرتبطة إلى حد كبير بامتلاك أدوات القوة، وبقدرة النظام على التحكم في المجال العام، وتوجيه النقاش السياسي من خلال خطاب تعبوي وإعلامي يُعيد إنتاج الرواية الرسمية. وبقدر ما تطول أمد هذه الوضعية، يتعزز الشعور لدى جزء من الرأي العام بأن من وصلوا إلى الحكم عبر الدبابات يسعون إلى مأسسة حضورهم، لا إلى تهيئة الظروف لخروجهم.
على مسافة جغرافية ليست بعيدة، تكشف قضية تهريب المهاجرين عبر ليبيا نحو أوروبا عن وجه آخر للأزمات التي يعيشها جزء من القارة. فقد أصدرت محكمة في إحدى الدول الأوروبية حكماً صارماً بحق رجل من أصول إفريقية متهم بالضلوع في شبكة واسعة لتهريب البشر. هذه الشبكة اعتمدت على مراكز احتجاز غير رسمية في الأراضي الليبية، حيث خضع مهاجرون قادمون من دول مختلفة لمعاملة قاسية شملت الحبس في ظروف بالغة السوء، وتقييد الحركة، واستعمال الضرب والترهيب لإرغام عائلاتهم على دفع مبالغ مالية كبيرة.
شهادات من مرّوا بهذه التجربة تحدثت عن توفير القليل من الطعام، وعن حرمان شبه كامل من الخدمات الأساسية، وعن تهديد دائم بالسلاح. بعض الضحايا أشاروا إلى تعرّضهم للتعذيب بغرض الابتزاز، وإلى حالات استغلال جنسي وعمل قسري فُرضت على من لم يتمكنوا من تسديد المبالغ المطلوبة. في نهاية هذا المسار، لا يُمنح المحتجز إلا خياراً واحداً تقريباً: دفع كلفة محاولة عبور البحر في قوارب متهالكة باتجاه السواحل الأوروبية، رغم علم الجميع بخطورة الرحلة واحتمال انتهائها بالغرق.
إدانة أحد قادة هذه الشبكات تحمل دلالة قانونية، إذ تعكس توجهاً متنامياً لملاحقة المسؤولين عن انتهاكات جسيمة بحق المهاجرين، حتى لو ارتُكبت خارج الحدود الأوروبية. لكنها، في الوقت نفسه، تذكّر بأن سوق تهريب البشر ما زال مفتوحاً، وأن عوامل استمراره مرتبطة ببنية أعمق: نزاعات داخلية، هشاشة في مؤسسات الدولة، ضعف فرص العيش الكريم في بلدان المنشأ، وغياب مسارات هجرة آمنة ومنظمة لمن يسعون إلى تحسين أوضاعهم.
بين التجربة السياسية في دول الساحل ومسارات الهجرة غير النظامية عبر شمال إفريقيا، يبرز خيط مشترك يتمثل في هشاشة موقع الإنسان العادي أمام منظومات معقدة من القوة، سواء كانت أنظمة حكم عسكرية أو شبكات تهريب عابرة للحدود. يظهر السؤال الجوهري في صورة بسيطة: هل أسهمت الخيارات المتخذة خلال الأعوام الخمسة الماضية في حماية الأرواح وتحسين شروط الحياة وتوسيع مساحة المشاركة والمسؤولية؟ إلى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى الشكوك والتحفظات منها إلى الثقة والاطمئنان، ما يجعل النقاش حول مستقبل هذه البلدان، ومسارات الخروج من دوامة العنف والهشاشة، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
تم الاعتماد في إنجاز هذا التقرير على مجلة الصحافة الدولية بRFI


