تستعد الجزائر في يونيو المقبل لتجديد تشكيل الجمعية الوطنية التي انتُخبت سنة 2021، في أول انتخابات تشريعية بعد حراك فبراير 2019. ورغم أن ذلك الاقتراع كان قد عرف تقليص عدد مقاعد البرلمان من 462 إلى 407، وتصدره من جديد حزب جبهة التحرير الوطني وحليفه التجمع الوطني الديمقراطي، إلا أن مشاركة الناخبين بقيت محدودة جداً بنسبة لم تتجاوز 23%. كل المؤشرات توحي بأن الاستحقاق المقبل سيُجرى في أجواء مشابهة، بل أكثر انغلاقاً من أي وقت مضى.
تأتي هذه الانتخابات في سياق سياسي مشدود يطغى عليه الإغلاق الإعلامي والأمني، ما يجعل من الصعب الحديث عن منافسة حقيقية أو تمثيل شعبي فعّال. السلطة التنفيذية تحتكر القرار، فيما تحولت قبة البرلمان إلى مؤسسة خاضعة بالكامل للرئاسة، لا تمارس دورها التشريعي المستقل ولا تشكل سلطة مضادة. القوانين الأخيرة التي صادق عليها البرلمان عززت هذا الانطباع، من بينها قانون "التجريد من الجنسية" الذي أثار انتقادات داخلية وخارجية، وقانون "تجريم الاستعمار الفرنسي" الذي زاد من توتر العلاقات مع باريس.
البرلمان المنتهية ولايته، الذي يهيمن عليه كل من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم، تبنى مقاربة أمنية وتشريعية تُغلب الولاء على النقاش السياسي. ومن المرتقب أن يُصوّت قبل انتهاء ولايته على مشروع قانون جديد للأحزاب السياسية، يفرض قيوداً إضافية عبر تحديد عدد ولايات رؤساء الأحزاب، وتشديد شروط التمثيل الإقليمي، ما سيؤدي إلى مزيد من انكماش التعددية.
وعلى الرغم من إعلان أحزاب المعارضة الديمقراطية، وفي مقدمتها جبهة القوى الاشتراكية، التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب العمال، نيتها المشاركة في انتخابات 2026 بعد أن قاطعتها عام 2021، إلا أن حضورها سيبقى محدوداً ومحصوراً في المدن الكبرى ومنطقة القبائل. وجودها في المجلس المقبل سيمنح واجهة شكلية للتعدد السياسي، لكنها لن تكون قادرة على التأثير في مسار السياسات العامة.
أما بالنسبة للإقبال الشعبي، فتبدو التوقعات قاتمة. المواطن الجزائري فقد ثقته في المؤسسات المنتخبة ويرى في النائب موظفاً إدارياً أكثر منه ممثلاً حقيقياً لمطالبه. وفي ظل أزمة معيشية خانقة وتآكل في القدرة الشرائية وانسداد في الحريات العامة، يُتوقع أن يتكرر عزوف الناخبين عن المشاركة. التحدي الأكبر الذي ستواجهه السلطة في يونيو المقبل لن يكون توزيع المقاعد أو مخرجات الاقتراع، بل نسبة المشاركة التي ستُقاس بها شرعية البرلمان القادم.


