شهدت الفترة الأخيرة تحركاً واضحاً في الموقف الأميركي بشأن قضية الصحراء. حيث تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى وضع حد لحالة الجمود التي طبعت الملف لسنوات. الزيارة التي قام بها ماساد بولوص، المستشار الرئيسي للرئيس الأميركي لشؤون إفريقيا والعالم العربي والشرق الأوسط، إلى الجزائر في 27 يناير 2026، في هذا السياق لتأكيد التوجه الجديد لواشنطن: اعتماد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كالإطار الوحيد القابل للتفاوض.
الوفد الأميركي الذي قاده بولوص التقى بوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، بحضور السفير الجزائري في واشنطن صبري بوقادوم. وقد تناولت المحادثات العلاقات الثنائية والملفات الإقليمية الحساسة، من ليبيا إلى الساحل والصحراء، مع تركيز خاص على قضية الصحراء. واشنطن تعتبر الجزائر طرفاً محورياً لا يمكن تجاهله، وتسعى لإشراكها بشكل أعمق في العملية السياسية، في إطار يتماشى مع قرارات مجلس الأمن. الرسالة الأميركية كانت واضحة: لم يعد مقبولاً البقاء بعيداً عن التسوية، والوقت حان لتحمل كل طرف لمسؤوليته في تحقيق استقرار المنطقة.
في المقابل، جاءت محاولة وفد جبهة البوليساريو لطرح خيار الاستفتاء خلال زيارته إلى واشنطن بنتائج سلبية. اللقاءات التي أجراها الوفد بُلغت خلالها المواقف الأميركية الحازمة: المبادرة المغربية للحكم الذاتي هي الأساس الواقعي والمستدام لأي حلّ ممكن. كما أُشير إلى أن أي طرف يرفض هذا المسار سيجد نفسه مستبعداً من العملية السياسية المقبلة. هذا الموقف عكس نفاد صبر واشنطن إزاء الرهانات على خيارات غير قابلة للتطبيق ميدانياً أو سياسياً.
الإدارة الأميركية تعمل في الوقت ذاته على التحضير لجولة جديدة من المفاوضات، قد تُعقد في فبراير أو مارس المقبل، بآلية أكثر ضيقاً وسرية من سابقاتها. هذه الجولات، التي يُنتظر أن يشرف عليها ماساد بولوص شخصياً، ستعتمد نهج اللقاءات المباشرة بين الأطراف الأساسية، بمعزل عن الإطار الأممي في مرحلته الأولى. من جهته، يعكف على تحديث صيغة مبادرته للحكم الذاتي، بإشراف فريق مقرب من الديوان الملكي يقوده فؤاد علي الهمة وناصر بوريطة وياسين المنصوري، مع تحضير دقيق للجوانب السياسية والأمنية.
أما بخصوص مكان انعقاد اللقاءات، فتفضل واشنطن أن تجري خارج الأراضي الأميركية لتأمين أكبر قدر من السرية. عواصم مثل أوسلو أو الدوحة طُرحت كخيارات ممكنة، لكن لم يُتخذ أي قرار نهائي بعد. وفي الوقت نفسه، تواصل الأمم المتحدة جهودها عبر مبعوثها الخاص ستافان دي ميستورا، في إطار استشارات منفصلة مع جميع الأطراف، مستندة إلى القرار 2797 الذي جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية مرجعية مركزية لأي حلّ.
الولايات المتحدة تبعث برسالة متصلبة ومستمرة منذ سنوات: دعم واضح وغير مشروط للمقاربة المغربية، باعتبارها الواقعية الوحيدة القادرة على تحقيق تسوية شاملة ومستدامة. ووفق تصريحات بولوص، فإن الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية أصبح جزءاً ثابتاً من السياسات الأميركية، مع خطط لافتتاح قنصلية في الداخلة خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب. بالنسبة لواشنطن، لم يعد الوقت يسمح بالمناورات السياسية أو الغموض الدبلوماسي، فاستقرار شمال إفريقيا يبدأ من حلّ نهائي لقضية الصحراء في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.



