يظهر وحيد الفرشيشي بين طلبة كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية في تونس بملامح شابة وخطى ثابتة، لكنه اليوم في الخامسة والخمسين ويشغل عمادة الكلية منذ غشت 2024. أستاذٌ مُبرّز في القانون العام وشريكٌ في تأسيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية (Adli)، ويؤكد أن الحرية هي مبدأ غير قابل للمساومة؛ فهي عنده أصلٌ يغذّي حقوق الإنسان والقانون الدولي كما يطال المسألة البيئية.
في الذكرى الخامسة عشرة لـثورة 2011، يتأمل بدايات عام مضطرب على الصعيد الدولي ويتساءل عن مسار تونس منذ سقوط نظام بن علي. ويذهب إلى أن القانون الدولي، مع منظومته الحقوقية، يُقدَّم غالبًا كحلٍّ شامل بينما هو قابلٌ للتحسين؛ فمعاييره هي، في الواقع، متوسط ما تقبل به الدول لتفادي التصادم، ما يفضي إلى نصوصٍ «مخفَّفة» تفقد بُعدها الإنساني بدل أن تسمح بتجاوز المعضلات. ويرى أن الولايات المتحدة، التي تُصدّر الحروب وتُصادِق أقل من غيرها على الاتفاقيات، تتذرع بأن قانونها الداخلي يتفوق على المعاهدات، وأن هذا المنزع التفوقي يتكرر لدى إسرائيل، فيما تتوالى النزاعات من فلسطين إلى اليمن، وتتفاقم التدخلات مثل التحرك الأميركي في فنزويلا.
ويُبيّن أن المشكلة لا تقف عند ضعف المعايير، بل تمتد إلى تطبيقها؛ إذ بات السؤال مشروعًا حول جدوى القانون ومؤسساته الدولية والوطنية. ومع ذلك، يصرّ على أن القانون ضرورةٌ لِمَن لا قوة لهم، ويحذّر من الانزلاق إلى الدعوة لإلغائه بدافع السهولة أو الجهل أو التلاعب. ويستدعي مثال محاكمات نورمبرغ ليؤكد أن القانون يصون كرامة الإنسان حتى عند اقترافه جرائم ضد الإنسانية، بينما تتسع اليوم مظاهر الاستخفاف بهذه الكرامة والدفع العلني نحو عودة صيغٍ استبدادية على شاكلة صدام حسين أو القذافي.
وعند استحضار التحول الذي وقع في 25 يوليوز 2021 بوصفه ضربةً أرادت إنهاء المسار، يُصرّ الفرشيشي على الإيمان بعودة النور بعد المرور في المتاهات. ويُقارب التجربة التونسية بما عاشته بلدان «الشرق» قبل الحرب العالمية الثانية من محاولات قصيرة نحو الحرية، قبل أن تستلهم عند سقوط جدار برلين مساراتها السابقة لتبلغها.
ويعتبر أنه، متى انقضت المرحلة الراهنة، سيكون من غير المقبول حصر الاختيار بين الاستبداد والإسلاميين؛ فالمطلوب هو استئناف المسار الذي أثبتت مرحلة 2011-2021 إمكانه عبر انتخاباتٍ حرةٍ وشعورٍ جمعي بإمكان العيش بلا خوف، فيما يعود التساؤل بين التونسيين اليوم عن البديل كما كان عشية 2011. ويرصد محاولاتٍ لإعادة تدوير رموز النظام السابق بأفكارٍ لا تلتقي مع جيلٍ نشأ على الحرية ولم يعرف سواها، ويشير إلى أن قسمًا من الشباب لم يُدرِك في 2021 ضرورة حماية مكاسب الحرية رغم مؤشرات الانزلاق نحو التسلط، مع بقاء شريحةٍ منهم تميل إلى المحافظة أو أقصى اليمين.
ويتوقف عند حنينٍ إلى أنظمةٍ تُصوَّر على أنها ضمنت «الاستقرار»، وهو حنينٌ أنتج تماثلًا خانقًا؛ وقد غادر كثيرون البلاد، لكنه يأمل أن يكونوا قد أدركوا أن الحرية هي الخير الأثمن والأكثر هشاشة، وأنها المدخل إلى إعادة تشغيل العملية السياسية؛ إذ إن شهودًا كُثُر سيؤكدون أنها كانت ممكنةً زمنًا، وهو ما أتاح الإقرار بمدنية الدولة وحرية الضمير. ومن ثمّ يغدو عقدٌ من الزمن قدّم مثال «الإمكان» علامةً فارقة تُطلق ديناميةً قائمة على إرادة التونسيين في أن يكونوا أحرارًا.
وعند طرح علاقة الحرية بالمسؤولية، يلاحظ حدوث انزلاقٍ ضحّى بالحرية باسم المسؤولية. ويُعلن أنه إذا كان لا بد من المفاضلة، فسيُقدّم الحرية على المسؤولية حفاظًا على حقّ المواطنين في أن يكونوا أحرارًا.


