انهيار محور «الممانعة» وعزلة الجزائر في زمن النفط منخفض الأسعار

أضيف بتاريخ 01/05/2026
عبر لوديسك

تزامنت عملية القبض على نيكولاس مادورو من طرف القوات الأمريكية في 3 يناير 2026 مع لحظة تحوّل جيواستراتيجي عميق، لا يقتصر على أمريكا اللاتينية بل يمتد إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تجد الجزائر نفسها أمام عزلة متزايدة وانكشاف خطير لهشاشة نموذجها الريعي في ظل موجة هبوط حاد في أسعار النفط التي تدور حالياً حول 60 دولاراً لبرميل برنت، مع توقعات باستقرار متوسط الأسعار في حدود 56 إلى 60 دولاراً خلال 2025-2026. بالنسبة للجزائر، التي تعتمد مداخيل المحروقات في أكثر من 95% من صادراتها وحوالي 60% من إيرادات موازنتها، لم يعد تراجع الأسعار ظرفياً بل تحول إلى تهديد يؤثر على قدرة النظام على تمويل شرعيته الاجتماعية والسياسية.  



مثّلت فنزويلا أحد أركان الرهان الجزائري على محور «جنوب-جنوب» مناهض للغرب. العلاقة بين الجزائر وكاراكاس لم تكن مجرد تقارب بروتوكولي، بل انخرطت في سردية مشتركة ضد «الإمبريالية» مع تنسيق سياسي داخل أوبك وخارجها، وخطط لفتح خط جوي مباشر وتوسيع التعاون في ملفات الطاقة والدبلوماسية. حضور وفد رفيع يمثل الرئيس عبد المجيد تبون في حفل تنصيب مادورو لولاية ثالثة، قبل أقل من عام على سقوطه، عكس رهاناً استراتيجياً على نظام بدا فجأة هشاً أمام قوة الإطاحة الأمريكية التي اتخذت شكل عملية عسكرية خاطفة تكرّس عودة واشنطن إلى سياسة القبضة الحديدية في اللاتينية. سقوط مادورو لا يعني خسارة حليف سياسي فقط، بل يضع الجزائر أمام رسالة واضحة: واشنطن قادرة عند الحاجة على إعادة هندسة الخرائط حيث تتقاطع المصالح النفطية والأمنية، دون كثير اكتراث بحسابات «المحور المناهض للهيمنة».

هذا التحول يتقاطع مع ضربة أخرى تلقاها نفس المحور في المشرق مع سقوط نظام بشار الأسد بعد هجوم مضاد مباغت لقوى المعارضة في أواخر 2024. سقوط النظام حرّم طهران وموسكو والجزائر من حلقة أساسية في شبكة تحالفات رفعت شعار «المقاومة» لعقود. ومع اشتداد الأزمة الداخلية في إيران منذ أواخر ديسمبر على وقع انهيار الريال وتفاقم التضخم، تتعرض الجمهورية الإسلامية لأقوى موجة احتجاجات منذ 2022. وذلك وسط تلويح إدارة ترامب بالتدخل العسكري في حال لجأ النظام إلى قمع دموي واسع، في ظل إنهاك قدرات طهران بعد ضربات إسرائيلية-أمريكية استهدفت البنية النووية والعسكرية في 2025. بالنسبة للجزائر، أي سقوط لنظام طهران يعني عمليًا انهيار آخر عمود متبقى في محور حاولت الاحتماء به لتوازن النفوذ الغربي والمغربي في المنطقة. هذا ما يعمق شعورها بالعزلة ويزيد كلفة الاستمرار في خطاب «اللاانحياز» التقليدي.

من بين الملفات التي تظهر فيها هذه العزلة بأوضح صورها، قضية الصحراء الغربية. كان نظام مادورو أحد أبرز الداعمين لجبهة البوليساريو في أمريكا اللاتينية، من خلال مواقفه داخل الأمم المتحدة وتكريس تمثيل دبلوماسي خاص لهذا الملف من قلب الجزائر. غير أن التحول الأعمق جاء من مجلس الأمن نفسه، الذي تبنى في 31 أكتوبر 2025 قراراً جديداً (2797) أدخل تعديلاً جوهرياً على مقاربة الأمم المتحدة للنزاع. حيث اعتبر صراحة أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل «الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق» وكرّس مبادرة الرباط كإطار وحيد وجدي للتسوية السياسية، مع امتناع روسيا والصين عن استخدام الفيتو واكتفائهما بالتصويت بالامتناع. هذه الصياغة أنهت عملياً عقوداً من الغموض الأممي، وأبقت الجزائر وحيدة سياسياً في الدفاع عن أطروحة البوليساريو. هذا في وقت تراكم فيه المغرب اعترافات دولية بسيادته على الأقاليم الجنوبية من الولايات المتحدة منذ 2020، مروراً بقوى أوروبية رئيسية، وصولاً إلى تثبيت هذا التوجه داخل المنظومة الأممية نفسها.

في الخلفية، تتبلور استراتيجية أمريكية متكاملة تهدف إلى إضعاف خصومها الجيوسياسيين عبر السيطرة على الموارد وخلخلة توازنات سوق الطاقة. إضافة إلى استغلال الطفرة في إنتاج النفط والغاز الصخري، تمنح السيطرة العملية على الاحتياطات الفنزويلية الهائلة لواشنطن قدرة إضافية على تغذية فائض هيكلي في العرض العالمي، ما يساعد على إبقاء الأسعار ضمن هوامش متدنية نسبياً على المدى المتوسط. يشير عدد من مراكز الأبحاث والمؤسسات المالية إلى أن منحنى الأسعار للبرميل يتجه نحو متوسط في حدود 56-60 دولاراً في 2025-2026، مع احتمال استمرار الضغط النزولي بفعل تباطؤ الطلب في الصين وتزايد إنتاج منتجين جدد كغويانا، وهو ما تؤكده التوقعات المحدثة للبنوك الكبرى وهيئات الطاقة الدولية. في مثل هذا السياق، لا تبدو رهانات الجزائر على عودة «العصر الذهبي» للنفط فوق 100 دولار قابلة للتصديق، بل تتحول إلى وصفة لكارثة مالية في بلد تستهلك سوقه الداخلية جزءاً متزايداً من إنتاجه من الغاز والنفط، على خلفية سياسة دعم واسعة وطلب داخلي متنامٍ.

كشفت صدمات 2014-2016 عن هشاشة النموذج الجزائري حين تهاوت احتياطيات العملة الصعبة من حوالي 195 مليار دولار إلى قرابة 100 مليار في أقل من ثلاث سنوات. ومع أن ارتفاع أسعار الغاز مؤقتاً في 2022-2023 سمح بإعادة تكوين جزء من هذه الاحتياطيات، إلا أن المسار الجديد لأسعار برنت، الذي تراجع بأكثر من 20% على أساس سنوي ليقترب من 60 دولاراً مطلع يناير 2026، ينبئ بدورة جديدة من تآكل الفوائض المالية. يضاف إلى ذلك أن الاستهلاك المحلي من الطاقة، وخاصة الغاز، يلتهم اليوم ما يفوق نصف الإنتاج، مع استمرار حرق كميات معتبرة في غياب استثمارات كافية في الكفاءة الطاقية والتقنيات الحديثة، ما يقلص بشكل خطير من الفائض القابل للتصدير ويضغط على إيرادات سوناطراك، العمود الفقري للاقتصاد الوطني. هكذا تجد الجزائر نفسها عالقة بين انهيار الأسعار وارتفاع الطلب الداخلي، في معادلة تكاد تشبه أي اقتصاد ريعي لم يحسم خيار التحول الإنتاجي.

رغم الخطاب الرسمي حول «الإقلاع الصناعي» و«تنويع الاقتصاد»، تظهر المعطيات المتاحة أن الحصة الساحقة للصادرات لا تزال مرتبطة بالمحروقات بنسبة تفوق 95%. في حين تبقى الصادرات خارج القطاع الطاقي، رغم ارتفاعها إلى بضعة مليارات من الدولارات، عاجزة عن تعويض أي جزء ذي معنى من ريع النفط والغاز. المشاريع الكبرى التي يروَّج لها مثل استغلال فوسفاط وادي الحَذْبة أو حديد غارة جبيلات، أو إطلاق محطات طاقة شمسية بقدرات متوسطة، تصطدم بدورها بعوائق التمويل، وبطء البيروقراطية، وضعف الشراكات التكنولوجية. ما يؤخر ترجمتها إلى ثروة فعلية على الأرض لسنوات إن لم يكن لعقود. في الأثناء، يواصل النظام تمويل منظومة دعم واسعة للوقود والمواد الأساسية، بما يلتهم جزءاً كبيراً من الموازنة ويحدّ من قدرته على الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والإصلاح البنكي الضروري لأي تحول هيكلي.

في المقابل، أعاد المغرب رسم موقعه الإقليمي والدولي، معتمداً على مزيج من الدبلوماسية النشطة والتحول الاقتصادي التدريجي نحو نموذج إنتاجي متنوع، من صناعة السيارات والطائرات إلى الطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية. ميناء طنجة المتوسط إلى منصة محورية للتجارة بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، في حين كرّس انفتاح الرباط على العمق الإفريقي حضورها المالي والاستثماري جنوب الصحراء، ما عزز صورتها كشريك مفضل للقوى الغربية والآسيوية في آن واحد. هذا التموقع عجز جزائري واضح عن استقطاب الاستثمارات الأجنبية رغم إلغاء قاعدة 51/49 في عدة قطاعات، بسبب استمرار صورة البلاد كسوق عالية المخاطر، وبنية قانونية وتقنية غير مستقرة، ومشهد سياسي ضبابي منذ حراك 2019، حيث لم تنجح الانتخابات المتتالية في إنتاج شرعية قادرة على حمل برنامج إصلاحي عميق.

عندما تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع هشاشة الشرعية السياسية في نظام يستمد جزءاً كبيراً من سرديته من «التاريخ الثوري» ومن خطاب مواجهة الاستعمار والإمبريالية، ويستثمر الملف الصحراوي كإحدى ركائز الهوية الرسمية. أي تراجع في دعم الجزائر للبوليساريو أو انخراط في تسوية تعترف فعلياً بسيادة المغرب، ولو تحت صيغة حكم ذاتي، سيُقرأ شعبياً ونخبوياً كتنازل جوهري عن «ثوابت» ظلت لعقود خارج النقاش. ما يهدد بفتح جبهة داخلية جديدة في وقت يعيش فيه الشباب بطالة مرتفعة وتآكلاً في القدرة الشرائية وغياباً لآفاق واضحة. لهذا تبدو السلطة عالقة بين خيارين مُكلفين: التمترس خلف خطاب الممانعة وانتظار معجزة في أسواق النفط، أو الانخراط في مسار إعادة تموضع إقليمي ودولي يفرض مراجعات مؤلمة في السياسة الخارجية وفي وجهة الاقتصاد، وربما في بنية الحكم نفسها.

أمام هذا المشهد المركب، تبدو السيناريوهات مفتوحة على ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار الجمود مع إدارة أزمة دائمة، ما يعني نزفاً بطيئاً للاحتياطات ومزيداً من الانغلاق السياسي، أو خيار «الصدمة الإصلاحية» الذي يزاوج بين انفتاح سياسي متدرج وتحرير مدروس للاقتصاد مع إعادة توجيه الريع نحو الاستثمار المنتج، أو أخيراً مسار الانهيار المتعدد الأبعاد إذا التقت صدمة جديدة في أسعار الطاقة مع موجة احتجاج اجتماعي واسعة تتغذى من التفاوتات والفساد والانسداد. في كل الحالات، لم يعد بإمكان الجزائر أن تؤجل الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن الاستمرار في خطاب «القوة الإقليمية» و«الدولة المحورية» في زمن تتهاوى فيه ركائز المحور الذي انحازت إليه، وتتحول فيه مواردها الأساسية من مصدر نفوذ إلى عبء ثقيل يعرّي عجزها عن التحول إلى اقتصاد إنتاجي متنوع؟ ما سيتقرر في السنوات القليلة المقبلة لن يرسم مستقبل الجزائر وحدها، بل سيحدد جزءاً من ملامح التوازن الجديد في المغرب الكبير، بين نموذج مغربي مبادر يحاول تثبيت مكاسبه الإقليمية، ونظام جزائري مطالب بإعادة تعريف نفسه في عالم لم يعد يحتمل ترف الانتظار ولا أوهام المحاور الخاسرة.

المصدر : La chute de Nicolás Maduro : un coup dur pour le régime algérien