تكشف الوثائق الأمريكية المُفرج عنها المرتبطة بوزارة الخارجية الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية عن زاوية جديدة لفهم المسيرة الخضراء، تتجاوز صورتها كحشد شعبي إلى كونها محطة مفصلية في تفاعلات إقليمية ودولية معقدة. يستند هذا العرض إلى قراءة عبد الله ساعف المنشورة لدى Policy Center for the New South.
منذ إعلان الخطاب الملكي في أكتوبر 1975 عقب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، ظهرت المسيرة الخضراء كقرار سياسي محسوب بدقة، انتقل سريعًا من فكرة تعبئة سلمية إلى ترتيب ميداني ولوجستي ودبلوماسي متكامل. انطلقت الإشارة من أكادير في السادس من نوفمبر، وتزامنت مع تعبئة شعبية كبيرة وانتشار عسكري محدود وتواصل دبلوماسي مكثف، ما جعلها خلال أيام قليلة دينامية مؤطرة تعيد توجيه الحياة السياسية في المغرب وتُرسّخ سردية وطنية جديدة حول استرجاع الأقاليم الجنوبية.
في خلفية هذا الحدث، كان هنري كيسنجر، الذي تولى حقيبة الخارجية الأمريكية بين 1973 و1977 بعد عمله مستشارًا للأمن القومي منذ 1969، يتنقل بين عواصم المنطقة بعد حرب أكتوبر، ويستشير الملك الراحل الحسن الثاني في ملفات الشرق الأوسط فيما يتابع عن كثب ملف الصحراء. مع إعلان إسبانيا نيتها الانسحاب من الصحراء الإسبانية في ظل نهاية عهد فرانكو وبداية انتقالها السياسي، تزايد الاهتمام الأمريكي بالتوازنات بين الرباط والجزائر ومدريد، وسط مواقف إسبانية متأرجحة وحسابات جزائرية معقّدة.
تُظهر البرقيات والمذكرات أن واشنطن قرأت التحضيرات المغربية في بعض اللحظات كإشارة لاحتمال تدخل عسكري، خاصة مع طلبات تسليح مغربية متزايدة لمعادلة سلاح الجو والدروع الجزائرية آنذاك. غير أن الحسن الثاني أوضح للأمريكيين أن ما يُحضَّر ليس عملية عسكرية بل مسيرة سلمية منظمة، ما أعاد ضبط التقييم لدى الجهات الأمريكية.
رغم ذلك، وجّه كيسنجر نصائح حازمة إلى الملك بالتراجع عن تنظيم المسيرة، ناقلًا رسائل تحذير من الرئيس الجزائري هواري بومدين ومن وزير الخارجية الإسباني بيدرو كورتينا موري. انطوت تلك الرسائل على تهديدات واضحة بإجراءات ردع واحتمالات مواجهة، إلا أن موقف الحسن الثاني بقي ثابتًا ولم يستجب للدفع بالتراجع، وهو ما تعكسه الوثائق الأمريكية المُفرج عنها بوضوح. كما استند كيسنجر إلى تقديرات مدير وكالة الاستخبارات المركزية وليام كولبي في أكتوبر 1975 التي رأت أن المغرب قد يستخف بقدرة إسبانيا على الرد وأن أي تدخل جزائري مباشر سيُغيّر ميزان القوى جويًا بسرعة، مع تفوق عددي وتسليحي جزائري في الطائرات القتالية.
مع ذلك، لم تتجاوز الاتصالات الأمريكية سقف النصح القوي وتفادي الانزلاق نحو صدام مسلح. أوضح كيسنجر لعبد العزيز بوتفليقة أن منع المسيرة بالقوة كان سيُدمّر علاقة واشنطن بالرباط، وأن مقاربة الولايات المتحدة تنطلق من تجنّب المواجهة لا من انحياز ضد الجزائر. لاحقًا، وفي عهد إدارة جيمي كارتر، ازدادت تعقيديات العلاقة الأمريكية المغربية وسط تحسن نسبي في العلاقات الأمريكية الجزائرية وإغلاق قواعد أمريكية قديمة في المغرب.
على مستوى التحليل السياسي، تُبرز المسيرة الخضراء كعمل براغماتي ذي أفق استراتيجي، ظهر في سياق إقليمي ودولي مواتٍ نسبيًا: استكمال مسار استرجاع سيدي إفني، الاعتراف بموريتانيا، اتفاقات حدودية مع الجزائر، انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي في الرباط، هدوء نسبي في الشرق الأوسط بعد 1973، ودور كيسنجر كمهندس تفاوضي واسع، بالتوازي مع موقع الوساطة الذي تبنّاه المغرب بين مصر وإسرائيل. من الجهة الأوروبية، كانت إسبانيا على أعتاب تحوّل ديمقراطي تاريخي مع أفول نظام فرانكو.
داخليًا، ساهمت عوامل عديدة في تهيئة الأرضية: معالجة آثار محاولات الانقلاب في بداية السبعينيات، إعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات والقوى السياسية، عمل الجيش في الجنوب، وانتظارية حزبية واضحة كان يُعوَّل عليها لتفكيك الجبهة الداخلية من قبل أطراف إقليمية. في قلب صناعة القرار، اعتمدت القيادة على شرطين حاسمين شدّد عليهما الحسن الثاني في مذكراته: سرية محكمة واقتصار العلم بالمخطط على عدد محدود، وعنصر المفاجأة كرافعة لتفوق المبادرة.
لم يكن الحدث محصورًا في لحظة العبور إلى الأقاليم الجنوبية، بل أصبح مادة مركزية في السرد الوطني الحديث، إذ أسّس لتحولات سياسية عميقة داخل الاستمرارية المؤسساتية، وأعاد تثبيت التحالف بين المؤسسة الملكية والشعب، مع آثار طويلة الأمد شملت إعادة هيكلة المشهد السياسي وتوسيع هامش المشاركة والتدبير العمومي، رغم أن السياق تخلله نزاع مسلح امتد حتى وقف إطلاق النار في 1991 وتراجعت حدته منذ 1986 مع بناء الجدار الدفاعي.
تراكم هذه المعطيات يُظهر أن القراءة التي اختزلت السياسة المغربية في تكتيك قصير النفس لا تصمد أمام هندسة المسيرة ومآلاتها. فقد استطاع المغرب أن يوظّف براغماتية هادئة ومناورة محسوبة في بيئة عالية المخاطر، بينما كانت واشنطن تمنح الجزائر توصيف "قوة إقليمية" دون أن يغيّر ذلك من النتيجة النهائية على الأرض، في ظل سقوط نظام فرانكو وتبدل التحالفات الأوروبية. سجّل الحسن الثاني في مذكراته خلاصة فلسفية مفادها أن التحالفات الغربية أقرب إلى أندية علاقاتها غير مُلزِمة، بخلاف صرامة منظومات المعسكر الاشتراكي آنذاك.