الصحراء بين واشنطن وتندوف: هل تُسقط مقاومات الجزائر والبوليساريو فرصة التسوية؟

أضيف بتاريخ 02/23/2026
منصة الجنوبية

تشير قراءة نشرها موقع «لوديسك»المغربي إلى أن جولة المباحثات الجديدة المقررة في واشنطن يومي 23 و24 فبراير، بعد محطة أولى في مدريد، تعيد إحياء احتمال التوصل إلى إطار تسوية لقضية الصحراء، لكنها تصطدم بجدار من المقاومات الداخلية داخل المنظومة العسكرية‑السياسية في الجزائر وفي قيادة جبهة البوليساريو. تحليل صادر عن «أوكسفورد إيكونوميكس» يلاحظ أن نجاح الدبلوماسية الأميركية في جمع الأطراف حول طاولة واحدة للمرة الأولى منذ 2018 لا يعني أن معسكر الجزائر‑البوليساريو مهيأ فعليًا لمنعطف تسووي، لأن جزءًا واسعًا من نخب هذا المعسكر بنى شرعيته على رفض أي خيار غير الاستقلال.



على الجانب الجزائري، يقدَّم الجيش باعتباره «العائق المركزي» أمام أي مرونة، إذ تحوّل العداء للمغرب إلى عقيدة بنيوية تؤطر القرارات والميزانيات والمسارات المهنية منذ عقود، كما تُظهر سلسلة القرارات التصعيدية المتخذة منذ 2021: قطع العلاقات الدبلوماسية، إغلاق المجال الجوي أمام الطيران المغربي، وقف أنبوب الغاز المغاربي‑الأوروبي، ثم حملة اتهامات لاذعة اتهمت الرباط بالضلوع في حرائق القبائل من دون تقديم أدلة. خطاب الرئيس عبد المجيد تبون، الذي جعل من الدفاع عن «قضية الصحراء الغربية» محورًا تعبويًا داخليًا، يُستعاد بوصفه تكثيفًا لهذه العقيدة، من وصف الخطة المغربية للحكم الذاتي بأنها «تزوير» و«حكايات جحا»، إلى نعت الدول الداعمة للموقف المغربي بـ«الإمبريالية»، في لهجة بلغت حد حذف بعض المقاطع من النصوص الرسمية لما تحمله من مبالغة.

في المقابل، تعاني الجزائر من تزايد عزلتها الدبلوماسية، كما تجسده خصوصًا قرار مجلس الأمن 2797 في أكتوبر 2025 الذي وصف مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بأنها «الحل الأكثر واقعية»، مع امتناع الصين وروسيا وباكستان عن استخدام الفيتو لصالحها رغم الضغوط الجزائرية المتواصلة حتى الساعات الأخيرة قبل التصويت. هذا التطور، إلى جانب اعترافات أو دعم صريح للمبادرة المغربية من قِبل قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة، يجعل تراجع الجزائر عن خطابها التقليدي مكلفًا جدًا من حيث شرعية النظام، لأن سردية «دعم حركات التحرر» و«مناهضة الاستعمار» متجذرة في هوية الدولة منذ الاستقلال.

داخل البوليساريو، يصف المقال مشهدًا مزدوجًا: قيادة متمسكة بخيار «النصر الكامل» وفصيلًا متزايد التململ في القواعد. تصريحات بوشرايا حمودي بيون في قمة الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا، الداعية إلى «استكمال تصفية الاستعمار»، وخطاب إبراهيم غالي بعد إعادة انتخابه في 2023 حول «تصعيد الكفاح المسلح»، تُنقل كدلائل على استمرار الخط المتشدد الذي يرفض أي سيناريو غير دولة مستقلة. في الوقت نفسه، تبرز مؤشرات على تآكل داخلي: عريضة في مايو 2025 تطالب برحيل غالي وتندد بتردي الأوضاع في مخيمات تندوف وبـ«الطريق المسدود» سياسيًا وأمنيًا، وانتقادات علنية من شخصيات تاريخية مثل بشير مصطفى السيد حول «الفشل» في استئناف الحرب ضد المغرب نهاية 2020.

تحذّر القراءة من أن أي قبول داخل البوليساريو بخيار الحكم الذاتي قد يفتح الباب على مخاطر مزدوجة: احتمال انقلاب القواعد على القيادة الحالية لصالح تيار أكثر تشددًا يرى في التسوية «خيانة للهدف التأسيسي»، واحتمال لجوء مجموعات مسلحة صغيرة إلى العنف لتفجير المسار، خاصة في ظل سوابق التحاق عناصر من الحركة بجماعات جهادية في الساحل مثل حالة أبو الوليد الصحراوي. هذه المخاطر هي التي تدفع بعض الأصوات المقرّبة من الرباط، من نواب أميركيين وفرنسيين، إلى الدعوة لتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية، مستندين إلى هذه الروابط وإلى هشاشة الحدود بين المخيمات وشبكات التهريب المسلّح في المنطقة.

مع ذلك، يرصد المقال تحوّلات خطابية حذرة داخل البوليساريو تحت ضغط ميزان القوى الدولي؛ إذ صدرت عن إحدى هيئاته صياغة جديدة تتحدث عن السعي إلى «حل سياسي عادل وسلمي ومقبول من الأطراف»، متجنبة ذكر الاستفتاء أو الاستقلال، في حين نُقل عن مسؤول صحراوي في وسائل إعلام جزائرية أن «الحكم الذاتي خيار مطروح»؛ وهي عبارات تُقرأ كتليين تكتيكي يهدف إلى إبقاء الحركة في صلب المسار الذي تقوده واشنطن من دون الاعتراف الصريح بالتراجع عن سقفها التاريخي.

على المدى القصير، تضغط الولايات المتحدة من أجل بلورة اتفاق إطار بحلول مايو، مع جولات تقنية في واشنطن لتسوية تفاصيل مثل طريقة تعيين رئيس السلطة التنفيذية في الأقاليم الجنوبية ومستوى الصلاحيات في مجالات الاستثمار، وهي نقاط يعتبرها التقرير ثانوية أمام «العقدة السياسية» الأساسية: إقناع من بنوا هويتهم ومصالحهم على رفض أي حل سوى الانفصال بأن كلفة الاستمرار في الجمود باتت أعلى من ثمن التسوية. أرقام البنك الدولي و«سيدوب» حول مكاسب التكامل المغاربي – من مضاعفة محتملة للتبادل التجاري ورفع الناتج الفردي بما يتجاوز 30% في الجزائر وحوالي 27% في المغرب خلال عقد – تذكّر بضخامة «عائد السلام»، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير موازين قرار أسيرة لعقود من التجييش الإيديولوجي واستثمارات النخب في بقاء الوضع كما هو، وهو السؤال الذي سيرجّحه في الشهور المقبلة ما إذا كانت الجزائر والبوليساريو مستعدتين للتخلي عن «توازن الخسارة المشتركة» لصالح تسوية تاريخية، أم ستختاران مرة أخرى تمديد زمن الانتظار.