على مدى أكثر من عقدين، عمل الدكتور إسيفي جيبي كبيرَ الأطباء في مستشفى مدينة رندسبورغ في ولاية شلزفيغ‑هولشتاين الألمانية، قبل أن يتقاعد ويعيش حياة هادئة في الشمال الألماني مع زوجته، من دون أن يتخيّل أنّه سيعود يومًا إلى بلده الأصلي النيجر، ناهيك عن أن يعود إليه ملكًا تقليديًا لإحدى مناطقه. فالطبيب المتقاعد ينحدر من أسرة أرستقراطية في منطقة كوكورو غرب البلاد، ما جعله واحدًا من الورثة المحتملين للملك السابق الذي حكم المنطقة لأكثر من نصف قرن قبل وفاته عام 2023، وفي مجتمع ما زالت فيه السلطة التقليدية حاضرة بقوة إلى جانب سلطة الدولة المركزية في نيامي رغم فقر البلاد المدقع وتصنيفها بين أفقر دول العالم.
في كوكورو، التي يقدَّر عدد سكانها بنحو 150 ألف نسمة، تُسند الزعامة إلى ملك يُنتخب من قِبل مجلس يضمّ زعماء القرى والعشائر، في مزيج بين الشرعية العائلية التقليدية وآلية الاقتراع المحدود. خلال عملية الاختيار الأخيرة، تنافس أكثر من عشرة مرشحين على المنصب، وتشير تقارير صحف محلية ألمانية إلى أنّ بعضهم وجّه تهديدات بالقتل إلى جيبي لأشهر في محاولة لإبعاده عن السباق، في ظلّ رهانات عالية على النفوذ الذي يمنحه الموقع. ومع ذلك، حاز الجراح المتقاعد 25 صوتًا من أصل 51 صوتًا، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة الإقليمية «NDR»، ما أهّله للفوز بالعرش وحمل لقب «أمير كوكورو» بولاية تمتد مدى الحياة، على أن يكون الملك بمثابة وسيط بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية.
رحلة جيبي بدأت عام 1970 حين حصل على منحة دراسية وانتقل من النيجر إلى ألمانيا لدراسة الطب، قبل أن يتدرّج مهنيًا حتى أصبح رئيس قسم جراحة الأوعية والصدر في مستشفى رندسبورغ، حيث ترك – بحسب بيان تهنئة رسمي – «أثرًا لا يُمحى» في المدينة كطبيب وشخصية مجتمعية على حد سواء. بعد تقاعده ظلّ يعيش في شلزفيغ‑هولشتاين، لكن وفاة الملك السابق أعادت فتح ملف الخلافة داخل العائلة التقليدية، ويقول جيبي إنّ رفضه الترشح أو اعتذاره عن حمل اللقب لم يكن مقبولًا داخل أسرته في النيجر، ما جعله يقبل خوض التجربة رغم إدراكه للمخاطر المرتبطة بعدم الاستقرار الأمني وصعود الجماعات الجهادية في المنطقة.
الملك الجديد يعرّف دوره بوصفه «حلقة وصل» بين السكان المحليين والحكومة، إذ يمتلك بموجب العرف سلطة جمع بعض الضرائب والفصل في النزاعات إلى جانب تمثيل المنطقة أمام السلطات المركزية، لكنّه يؤكّد في تصريحات صحافية أنّه لا يرى نفسه حاكمًا مطلقًا بل مسؤولًا تقليديًا ذا نفوذ معنوي واسع. ويقرّ بأنّ النيجر «بلد غير آمن» بسبب تهديدات الجماعات المتطرّفة، ما يفرض عليه التحرك داخل الإقليم تحت حماية حراسة كبيرة، فيما يخطط في الوقت ذاته لاستخدام خبرته وعلاقاته الدولية من أجل جذب استثمارات في البنية التحتية واستغلال أفضل لموارد المنطقة من ذهب ومعادن لصالح السكان، بما في ذلك بناء طرق جديدة وتحسين الخدمات الأساسية.
مدينة رندسبورغ سارعت إلى تهنئة طبيبها السابق عبر موقعها الرسمي، مؤكدة أنّه لم يترك بصمته هناك كجرّاح فحسب بل أيضًا كفاعل اجتماعي، ومعربة عن ثقتها في قدرته على «تحقيق الخير» لبلده الأم من موقعه الجديد. أما هو فلا ينوي قطع علاقته بألمانيا بالكامل، بل يعتزم قضاء معظم وقته في كوكورو مع الاحتفاظ بإمكانية العودة إلى شلزفيغ‑هولشتاين بين الحين والآخر، على أن يتولى شقيقه إدارة شؤون الإمارة في فترات غيابه، في ترتيب يعكس حياة مزدوجة بين مسار مهني ألماني طويل وجذور تقليدية أعادته في خريف العمر إلى عرشٍ لم يكن يتوقّع أن يجلس عليه.