أجرى وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة مباحثات في مدريد مع نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، في إطار جولة لقاءات دبلوماسية مكثّفة تتمحور حول ملف الصحراء وتدور في كنف قدر كبير من السرية السياسية. ويأتي هذا اللقاء في سياق اجتماعات متعددة الأطراف تستضيفها العاصمة الإسبانية بدفع أمريكي، بهدف إعادة تحريك مسار التسوية حول النزاع الإقليمي.
يتزامن اجتماع بوريطة وألباريس مع لقاءات أخرى يعقدها وزير الخارجية الإسباني مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، إضافة إلى وزيري خارجية الجزائر وموريتانيا الذين استُقبلوا في الأيام السابقة في مدريد. هذا الترتيب الزمني يعكس مسعى واضحًا لإشراك مختلف الأطراف المعنية إقليميًا ودوليًا في مشاورات متداخلة المسارات، تحت مظلة أممية وبتنسيق غربي، مع إبقاء الخطاب العلني في حدوده الدنيا.
ورغم أن المسؤول الإسباني اكتفى، في تواصله العلني بعد لقائه بنظرائه الجزائري والموريتاني، بالتشديد على جودة العلاقات الثنائية وحسن الجوار، من دون الإشارة مباشرة إلى ملف الصحراء، فإن طبيعة السياق وتركيز مدريد في هذا التوقيت على سلسلة من الاجتماعات المرتبطة بالمبعوث الأممي تشير إلى أن النزاع كان حاضرًا بقوة على طاولة النقاش. إسبانيا، التي أعلنت في 2022 دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، تحاول اليوم الموازنة بين موقعها كشريك استراتيجي للرباط وبين حساسيات علاقتها بكل من الجزائر وموريتانيا.
من جانبها، يواصل المغرب التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها كإطار لتدبير الأقاليم الجنوبية تمثل الحل السياسي الوحيد الواقعي وذي المصداقية والبراغماتية لإنهاء النزاع. هذه المقاربة حظيت، خلال السنوات الأخيرة، بتزكية متزايدة من عواصم غربية وإفريقية وعربية، مع انتقال خطاب عدد من الفاعلين الدوليين من “الحياد” التقليدي إلى دعم صريح أو مشروط لخيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
في هذا السياق، شكّل قرار حديث لمجلس الأمن محطة مفصلية، بعدما اعتبر أن حكمًا ذاتيًا حقيقيًا يمكن أن يشكّل المخرج الأكثر واقعية للنزاع، وهو تعبير ينسجم مع المرافعة الدبلوماسية المغربية التي تسعى إلى إخراج الملف من منطق الاستفتاء إلى منطق حل تفاوضي داخل إطار السيادة. وجاء موقف الاتحاد الأوروبي، الصادر أواخر يناير، ليعزّز هذا المنحى، بعدما عبّر عن دعمه لبحث تسوية “عادلة ودائمة ومقبولة من الطرفين” على أساس الخطة التي يقترحها المغرب.
اجتماع مدريد، بما يشمله من لقاءات متداخلة بين الرباط والجزائر ونواكشوط والمبعوث الأممي، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الغربية بأن استمرار الجمود يحمل كلفة إقليمية على مستوى الاستقرار والأمن والتعاون الاقتصادي في الساحل والصحراء. في الوقت نفسه، يضع هذا الحراك إسبانيا في موقع وسيط-شريك، تحاول من خلاله تثبيت تحالفها الجديد مع المغرب، مع تجنب صدام مباشر مع الجزائر التي لا تزال تنظر بعين الريبة إلى التحول الذي عرفه موقف مدريد منذ 2022.
بالنسبة للمغرب، الحضور إلى “طاولة مدريد” يُقرأ كترجمة عملية لمعادلة جديدة في التعاطي الدولي مع النزاع، قوامها أن مبادرة الحكم الذاتي لم تعد مجرد مقترح من بين مقترحات، بل قاعدة مرجعية تُبنى عليها مواقف عدد من الفاعلين الدوليين. أما الرهان في المرحلة المقبلة فسيكون مدى قدرة هذا الحراك الدبلوماسي على الانتقال من دائرة المشاورات المغلقة إلى مسار تفاوضي مهيكل، يفتح أفقًا سياسيًا فعليًا لتسوية نزاع عمره عقود في المنطقة.