شهدت العاصمة الإسبانية مدريد يوم الأحد 8 فبراير بداية مرحلة جديدة في مسار التسوية السياسية لقضية الصحراء، حيث اجتمع ممثلو المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو في مفاوضات مباشرة هي الأولى من نوعها منذ ست سنوات. جرت اللقاءات داخل مبنى السفارة الأمريكية في ظل تعتيم إعلامي كامل وبتنسيق من واشنطن التي فرضت السرية شرطًا أساسيًا لإنجاح المحادثات.
يُعدّ هذا الاجتماع، الذي شارك في الإشراف عليه الموفد الأمريكي ماساد بولوس وممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة مايكل وولتز، أول خطوة ملموسة منذ سنوات، تمخض عنها اتفاق مبدئي على إنشاء «لجنة تقنية دائمة» من خبراء قانونيين مغاربة وجزائريين وموريتانيين، تحت إشراف أمريكي ودولي. وكُلّفت هذه اللجنة بدراسة الجوانب العملية لتطبيق مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، والذي اعتُبر «الوثيقة التقنية الوحيدة المطروحة للنقاش».
تدور الخلافات الجوهرية حول مفهوم «تقرير المصير». ترى الرباط أن هذا الحق يتحقّق من خلال الحكم الذاتي الموسّع تحت السيادة المغربية، في حين يصرّ الطرف المقابل على تنظيم استفتاء قد يشمل خيار الاستقلال. وتُعدّ هذه النقطة العقبة الأساسية أمام أي اتفاق نهائي.
يأتي هذا الحوار في سياق دولي يميل لصالح المقترح المغربي، بعد تبنّي مجلس الأمن نهاية أكتوبر الماضي قرارًا يصف الحكم الذاتي بأنه «الحل الواقعي والأكثر قابلية للتطبيق»، إلى جانب الموقف الأمريكي الثابت منذ ست سنوات المؤيّد لسيادة المغرب على الإقليم. كما دعمت مؤسسات الاتحاد الأوروبي مؤخرًا اعتماد الخطة المغربية كأساس لأي تسوية سياسية مستقبلية.
في المقابل، حاولت جبهة البوليساريو إثبات حضورها الميداني عبر هجوم رمزي نُفذ عشية الاجتماع ضد مواقع مغربية في الصحراء من دون أن يخلف خسائر، ما اعتُبر رسالة سياسية أكثر منه عملاً عسكريًا فعليًا. كما شهدت الحدود الشرقية حادث توغل محدود لعناصر جزائرية قرب مدينة فكيك، ما فُسر في الرباط كمؤشر على استمرار التوتر الثنائي.
ورغم تقدم النقاش على المستوى التقني، بقيت المؤشرات السياسية محدودة. فقد رفضت الجزائر المشاركة في صورة جماعية مع الوفد المغربي، في إشارة إلى تمسكها بموقف «الطرف المراقب» وعدم رغبتها في أي مظهر تطبيعي قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.
تُعدّ الخطة التي أطلقت عليها واشنطن اسم «مدريد 2026» خريطة طريق للمفاوضات المقبلة، تتضمن اجتماعًا جديدًا في مايو القادم بالعاصمة الأمريكية بهدف التوقيع على «اتفاق-إطار» يضع الأسس السياسية النهائية للحكم الذاتي. أما البيان الأمريكي المنتظر صدوره في الأيام المقبلة، فيُتوقع أن يؤكد دعم واشنطن للمسار المغربي ويدعو الأطراف إلى الانتقال نحو التنفيذ العملي للاتفاق قيد الإعداد.