أخطرَت وزارة الدفاع الأمريكية الكونغرس بمشروع صفقة عسكرية جديدة لصالح المملكة المغربية، تتعلق بتوفير قنابل جو–أرض دقيقة التوجيه من طراز GBU‑39/B المعروفة باسم Small Diameter Bomb I، في خطوة تعكس مستوى متقدمًا من الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن في المجالين الدفاعي والأمني. وتبلغ قيمة الصفقة، وفق المعطيات المعلَنة، حوالي 86 مليون دولار، مقابل تزويد القوات الجوية الملكية بما يصل إلى 500 قنبلة موجهة، إضافة إلى ذخائر تدريبية مرتبطة بها، في إطار برنامج المبيعات العسكرية الخارجية الذي تشرف عليه الولايات المتحدة لحلفائها وشركائها الرئيسيين.
تأتي أهمية هذه القنابل من خصائصها التقنية والتكتيكية؛ فهي ذخائر مدمجة نسبياً يناهز وزن الواحدة منها 113 كيلوغرامًا تقريبًا، لكنها مصمَّمة لضرب أهداف ثابتة بدقة عالية مع تقليص الخسائر الجانبية قدر الإمكان. وتمكّن هذه الفئة من الذخائر الطائرات المقاتلة من حمل عدد أكبر من القنابل في الطلعة الواحدة مقارنة بالقنابل التقليدية الأثقل وزنًا، ما يرفع من القدرة الإجمالية على تنفيذ ضربات دقيقة في مسارح العمليات المختلفة. كما أن اعتماد نظام توجيه متطور، يجمع عادة بين الإحداثيات الملاحية والأنظمة الموجهة بالأقمار الصناعية، يمنح سلاح الجو قدرة أفضل على استهداف مواقع حساسة مع الحفاظ على هامش أمان أكبر للقوات الصديقة وللمدنيين في محيط الهدف.
في البعد الاستراتيجي، تعكس هذه الصفقة استمرار توجه المغرب نحو تحديث قدراته العسكرية، وبخاصة سلاح الجو الذي استفاد خلال السنوات الأخيرة من إدماج منظومات تسليح أمريكية متطورة، بما في ذلك صواريخ جو–جو وجو–سطح ومنظومات دفاع جوي. ويُقرأ هذا التطوير في سياق إقليمي متوتر، يتسم بسباق تسلح متصاعد في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وتنامي التهديدات غير التقليدية، من الإرهاب العابر للحدود إلى الشبكات الإجرامية العابرة للأقاليم. ويُنظر إلى تعزيز قدرات الضربات الدقيقة على أنه عنصر محوري في عقيدة الردع وحماية الحدود ومواكبة التزامات المغرب في التعاون الأمني مع شركائه الغربيين.
من الناحية السياسية، تعكس صيغة الصفقة عبر إخطار الكونغرس دلالتين أساسيتين: الأولى أن المغرب يواصل ترسيخ موقعه كشريك موثوق به لدى الولايات المتحدة في المنطقة، والثانية أن واشنطن، رغم تغير الإدارات وتبدّل الأولويات، تحافظ على خط استراتيجي قوامه دعم حلفائها الإقليميين بأسلحة نوعية، مع إخضاع ذلك لمراقبة مؤسساتية عبر الكونغرس والرأي العام. غير أن إخطار الكونغرس يبقى خطوة إجرائية تمهّد للموافقة النهائية والتعاقد والتنفيذ، وهو ما يعني أن الحديث عن «تسليم وشيك» يظل، في هذه المرحلة، أقرب إلى توصيف لمسار متقدم لا لواقع مكتمل.
بالنسبة للقوات الجوية الملكية، من شأن إدماج قنابل GBU‑39/B أن يغيّر جزئياً طريقة التخطيط للعمليات الجوية، إذ تميل هذه الفئة من الذخائر إلى دعم تكتيكات «الضربة الدقيقة من مسافة آمنة» بدل الاعتماد على قنابل حرة السقوط أو ذخائر أقل دقة. كما أنها تنسجم مع توجه عام في الجيوش الحديثة نحو تقليل الأثر التدميري غير الضروري وتحسين صورة استخدام القوة في السياقات الحساسة سياسيًا وإعلاميًا. وفي حالة المغرب، الذي يقدّم نفسه كفاعل مستقر ومسؤول في محيط إقليمي مضطرب، يشكل هذا النوع من التسليح جزءًا من خطاب موازٍ حول المهنية العسكرية واحترام قواعد الاشتباك وتقليص الأضرار العرضية.
مع ذلك، تفتح الصفقة الباب أمام نقاشات محتملة على المستويين الداخلي والإقليمي. فمن جهة، قد يُطرح سؤال الأولويات بين الاستثمار في التحديث العسكري والاستجابة للرهانات الاجتماعية والاقتصادية الملحّة، ومن جهة ثانية قد تستغل أطراف منافسة هذه التطورات لإعادة تغذية خطاب «سباق التسلح» في المنطقة، وربطه بالتوترات السياسية القائمة. كما أن منظمات حقوقية دولية قد تثير، في حال استخدام هذه الأسلحة في أي نزاع مستقبلي، تساؤلات حول طبيعة الأهداف المستهدفة، رغم أن فلسفة هذه الذخائر تقوم أصلاً على تقليص الخسائر في صفوف المدنيين.
يعكس مشروع تزويد المغرب بـ500 قنبلة موجهة من طراز GBU‑39/B مرحلة جديدة في تعميق التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، ويعطي إشارة واضحة إلى استمرار رهانات الرباط على الشراكات الغربية لتعزيز منظومتها الدفاعية. لكنه في الوقت نفسه يكرّس واقعًا إقليميًا تتزايد فيه قيمة السلاح المتطور والضربات الدقيقة كأدوات سياسية بقدر ما هي أدوات عسكرية، ما يجعل من كل صفقة من هذا النوع جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز الجانب التقني إلى أسئلة النفوذ، والردع، وتوازنات القوة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.