تشهد القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في النزاعات والحروب الأهلية، من الشرق الكونغولي حيث مثّلت سيطرة المتمردين على مدينة غوما مطلع 2025 محطة جديدة في صراع مستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلى السودان الغارق في حرب مدمّرة بين قوات محمد حمدان دقلو «حميدتي» والجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، مرورًا بمنطقة الساحل التي تعيش منذ 2012 على وقع هجمات الجماعات الجهادية. هذا المشهد المشتعل يواكبه سباق محموم نحو التسلّح، إذ تدفع التوترات الدبلوماسية من المغرب العربي إلى القرن الإفريقي عددًا من الدول إلى تعزيز جيوشها عددًا وعتادًا، تحسّبًا لصدامات قائمة أو محتملة.
في هذا السياق يكتسب التصنيف السنوي لقوة الجيوش، الصادر عن موقع «غلوبال فاير باور» لعام 2026، أهمية خاصة بصفته أحد المؤشرات على تطوّر القدرات العسكرية في إفريقيا. يعتمد هذا التصنيف على «مؤشر قوة» مركّب من نحو ستين معيارًا تشمل حجم القوات العاملة والاحتياطية، نوعية التسليح البري والبحري والجوي، البنية التحتية الدفاعية، إضافة إلى الميزانيات المخصّصة للجيوش. ورغم أن المنهجية ليست شفافة بالكامل وتستدعي الحذر في قراءتها، فإنها تتيح رصد اتجاهات عامة في موازين القوى داخل القارة ومقارنتها على مدى السنوات.
النتائج الأبرز للنسخة الجديدة تؤكد استمرار هيمنة ثلاثي مصر والجزائر ونيجيريا على قمة الهرم العسكري الإفريقي؛ فالقاهرة تحتفظ بموقعها كأقوى جيش في القارة بفارق مريح، مدعومة بترسانة كبيرة واستثمارات ضخمة في التحديث، تليها الجزائر التي تظلّ لاعبًا عسكريًا محوريًا في المغرب الكبير والصحراء، ثم نيجيريا التي، رغم انشغالها بمحاربة التمرّد في الشمال الشرقي، تواصل تطوير قدراتها كقوّة إقليمية غربية إفريقية. في المقابل، يسجّل المغرب تقدّمًا ملحوظًا باحتلاله مرتبة أعلى على حساب أنغولا التي تعرف تراجعًا طفيفًا، بينما تُعدّ تونس صاحبة القفزة الأكبر في ترتيب 2026 على المستويين الإفريقي والعالمي، في إشارة إلى جهود تحديث وترشيد مركّزة رغم محدودية الموارد.
هذه التحوّلات تعكس واقعًا تتزايد فيه رهانات الأمن والدفاع في الأجندات الوطنية الإفريقية؛ فالجيوش لم تعد تُرى فقط كأدوات لحماية الحدود أو ضبط الداخل، بل باتت أيضًا أدوات نفوذ إقليمي ووسيلة للتفاوض مع الشركاء الدوليين في سياقات تتراوح بين مكافحة الإرهاب وحماية الممرات البحرية واستغلال الموارد الطبيعية. غير أن استمرار سباق التسلّح في فضاء هشّ سياسيًا واقتصاديًا يثير بدوره تساؤلات حول الكلفة الاجتماعية والتنموية، وحول مدى قدرة الدول على تحويل الإنفاق العسكري إلى أمن مستدام بدل أن يكون وقودًا لدورات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.