أكّدت الرباط وداكار، خلال زيارة عمل لرئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو إلى المغرب، رغبتهما في فتح مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، عبر حزمة واسعة من الاتفاقيات تغطي الموانئ والصناعة والفلاحة والتعليم العالي والنقل والرقمنة. فقد ترأس سونكو إلى جانب رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش أشغال الدورة الخامسة عشرة للجنة المشتركة المغربية السنغالية، في سياق مسعى مغربي لتسريع أجندة الاندماج الإفريقي، خصوصًا في الفضاءين الأطلسي والساحلي.
في كلمته الافتتاحية، شدّد أخنوش على «عمق» العلاقات الثنائية الممتدة في التاريخ والتجارة والثقافة والروابط الروحية، مؤكدًا أن الدينامية الحالية تستند إلى توجيهات الملك محمد السادس والرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي. كما استغل المناسبة لتسليط الضوء على المبادرات الملكية الموجّهة لإعادة تموقع المغرب كمنصة إفريقية في الواجهة الأطلسية، من قبيل مبادرة تمكين دول الساحل من منفذ إلى المحيط الأطلسي، والمبادرة الأطلسية الأوسع، إضافة إلى مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، حيث يُنتظر أن يلعب السنغال دورًا محوريًا في مساره.
سياسيًا، حملت الجلسة رسائل واضحة في ملف الصحراء المغربية؛ إذ ثمّن المغرب مجددًا الموقف السنغالي الداعم لوحدة التراب المغربي ولمبادرة الحكم الذاتي، في انسجام مع المرجعية الأممية وقرار مجلس الأمن 2797. هذا الدعم، الذي يندرج ضمن اصطفاف عدد من الدول الإفريقية إلى جانب الرباط في هذا الملف، يُمنح اليوم بعدًا عمليًا عبر توسيع الشراكات الاقتصادية والقطاعية.
على مستوى الاتفاقيات، كان للمجال المينائي نصيب وازن من خلال شراكة بين الوكالة الوطنية للموانئ بالمغرب والميناء المستقل لداكار، بما يفتح الباب أمام تبادل الخبرات وتطوير الخدمات اللوجستية وربط أفضل بين الضفتين. وفي التعليم العالي، أُقر برنامج تنفيذي للفترة 2026–2028 يهدف إلى مأسسة التعاون الأكاديمي، وتشجيع تبادل الطلبة والباحثين وإطلاق مشاريع بحث مشتركة، بما يعزّز الرأسمال البشري كرافعة للتقارب بين البلدين.
الصناعة بدورها برزت كأحد أعمدة هذا التقارب، عبر مذكرات تفاهم تتعلق بتطوير المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين البنيات التحتية الصناعية، وتوحيد المعايير في مجال الجودة والمطابقة. هذه الحزمة تعكس إرادة في نقل التعاون من مستوى الحكومات إلى دينامية «بيزنيس – تو – بيزنيس»، وتشجيع الاستثمارات المشتركة في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية. وفي الفلاحة، شملت الاتفاقيات التعاون الزراعي العام، وتدبير سلاسل الإنتاج الحيواني والصحة البيطرية وسلامة المنتجات الغذائية، إلى جانب مراقبة المنتوجات البحرية وتربية الأحياء المائية، ما يعكس رهان العاصمتين على الأمن الغذائي والبحري كملف استراتيجي مشترك.
أما في شق الحكامة والمؤسسات، فقد تعزز التعاون عبر آليات للتشاور القنصلي، واتفاقيات تنظم النقل البري الدولي للمسافرين والبضائع، والسلامة الطرقية، وتبادل الخبرة في مجال الطرق السيارة. كما تم توقيع بروتوكولات تخص الاقتصاد الرقمي والبنى التحتية والتكوين المهني، في محاولة لمواكبة تحولات الاقتصاد المعرفي وتسهيل حركة الكفاءات بين البلدين. واختُتمت الزيارة ببيان مشترك يجمع بين رسائل الاصطفاف السياسي وتحيين دقيق لأدوات التعاون العملي، في ما يشبه «مخطط عمل» جديد للعلاقة المغربية السنغالية، يربط بين الرهانات الجيوسياسية في الساحل والأطلسي وضرورات التنمية المشتركة على المدى المتوسط والبعيد.