كيف يبرز استثناء المغرب وتونس في خريطة القمع الرقمي بالمغرب العربي تحت سلاح قطع الإنترنت في ليبيا والجزائر؟

أضيف بتاريخ 01/15/2026
منصة الجنوبية

تقرير دولي حديث حول كلفة انقطاعات الإنترنت في إفريقيا خلال عام 2025 أضاء على مفارقة لافتة في منطقة المغرب العربي. حيث برزت ليبيا والجزائر كحالتين نموذجيتين لاستخدام “سلاح قطع الإنترنت” في سياقات أمنية وسياسية. مقابل تميّز نسبي للمغرب وتونس باستقرار البنية الرقمية وتراجع اللجوء إلى إجراءات الحجب الشامل أو الانقطاع الواسع. وفق بيانات منصة Top10VPN، التي تقيس الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تعطيل خدمات الاتصال، صُنّفت ليبيا ضمن أكثر عشر دول إفريقية تضرراً من انقطاعات الإنترنت في 2025. بينما غابت دول مغاربية أخرى عن هذه القائمة رغم سجل سابق مثير للجدل خصوصاً في الجزائر وموريتانيا.



في الحالة الليبية، سجّل التقرير انقطاعاً كبيراً للإنترنت استمر نحو 11 ساعة في مايو 2025. قُدِّرت كلفته بأكثر من 1.3 مليون دولار، وأثّر على ما يقرب من 1.3 مليون مستخدم، في بلد يعيش أصلاً هشاشة بنيوية في اقتصاده وبنيته التحتية الرقمية. حدث الانقطاع بالتوازي مع اشتباكات مسلحة في العاصمة طرابلس بين قوات مرتبطة بحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها وجهاز دعم الاستقرار، ثم مواجهات مع جهاز الردع. ما جعل قطع أو تعطيل الاتصال جزءاً من إدارة الأزمة الأمنية ووسيلة للسيطرة على تدفق المعلومات والصور من الميدان. في هذا السياق، تتحول كلفة 1.3 مليون دولار إلى رقم سياسي بامتياز، لأنها تعكس ثمن استخدام البنية الرقمية كرهينة في صراع السلطة. وتكشف درجة اعتماد المجتمع الليبي على الإنترنت في الخدمات المالية، والتجارة، والتواصل، والعمل عن بعد، رغم محدودية حجم الاقتصاد مقارنة بدول إفريقية أخرى.

أما الجزائر، ورغم عدم ظهورها في قائمة أكثر عشر دول إفريقية خسارة في 2025، فإنها تظل حالة أساسية في النقاش حول الانقطاعات المتعمدة للإنترنت في شمال إفريقيا خلال السنوات الأخيرة. تقارير منظمات حقوقية رقمية كـAccess Now، ضمن حملة #KeepItOn، وثّقت بانتظام لجوء السلطات الجزائرية إلى قطع أو إبطاء الإنترنت خلال فترات الامتحانات الوطنية، وأحياناً في سياقات توتر سياسي أو احتجاجي، ما جعل البلد مثالاً متكرراً في دراسات “القمع الرقمي” في المنطقة. ورغم أن الكلفة الاقتصادية المقدرة لانقطاعات 2025 لم تبلغ مستوى إدراج الجزائر في “توب 10” القاري، فإن الأثر السياسي والاجتماعي لهذه الممارسة يتجاوز الأرقام، إذ ترسّخ صورة دولة تستخدم التحكم في الاتصال كأداة إدارة أمنية ومجتمعية، مع ما يرافق ذلك من تآكل الثقة في الفضاء الرقمي الوطني وفي استقرار قواعد اللعبة الاقتصادية.

في المقابل، يقدَّم المغرب وتونس كحالتين أقل تواتراً في اللجوء إلى قطع شامل للإنترنت، وفق ترسيمات عدد من التقارير الدولية حول حرية الإنترنت والحقوق الرقمية. ورغم وجود نقاشات حادة حول المراقبة، تنظيم المنصات، وحجب محتوى أو مواقع بعينها. في المغرب، تتركز الانتقادات على قضايا مرتبطة بالمراقبة الرقمية، محاكمات بعض الأصوات الناقدة، وإدارة المحتوى على الشبكات الاجتماعية. لكن لم تُسجّل خلال 2024‑2025 انقطاعات واسعة النطاق بالمعنى التقني الذي ترصده منصات قياس الكلفة الاقتصادية، ما يفسر غيابه عن قوائم الدول الإفريقية الأكثر خسارة بسبب قطع الإنترنت. هذا لا يعني فضاء رقمياً حراً بالكامل، لكنه يضع الرباط في خانة الدول التي تفضل أدوات الضبط القانونية والأمنية المستهدِفة على خيار الإطفاء الشامل للشبكات. خاصة في ظل رهان واضح على الاقتصاد الرقمي، والخدمات المالية عبر الهاتف، وجذب الاستثمارات في تكنولوجيا المعلومات.

تونس بدورها تعيش مفارقة أخرى: انتقال ديمقراطي متعثر وضغوط سياسية متزايدة منذ 2021، من دون تحوّل منهجي إلى سياسة الانقطاعات الواسعة، كما هو الحال في عدد من الدول الإفريقية جنوب الصحراء. تقارير Access Now والمنصات المتابعة للانقطاعات تشير إلى حالات مراقبة، وتتبع للنشطاء، ونزاعات حول حرية التعبير على الشبكات، لكنها لا تضع تونس ضمن الدول التي تستخدم الحجب الكلي أو قطع الإنترنت على مستوى وطني أو طويل المدى في 2024‑2025، ما يعزز صورة بلد يخوض صراعاً على شكل النظام السياسي، لكن مع استمرار الاعتماد على فضاء رقمي مفتوح نسبياً كامتداد للجدل العمومي. هذا التمايز بين ليبيا والجزائر من جهة، والمغرب وتونس من جهة أخرى، يعكس اختلافاً في “عقيدة” التعامل مع الإنترنت: فهناك من يراه امتداداً لساحة المعركة أو أداة ضبط جماعي، وهناك من يتعامل معه، رغم كل القيود، كشرط ضروري لجاذبية الاستثمار وشرعية خطاب الانفتاح.